أحمد بن الحسين البيهقي
54
كتاب القضاء والقدر
ومنكم ، فإنّي مضح بالجعد بن درهم ، إنّه زعم أن اللّه لم يتخذ إبراهيم خليلا ، ولم يكلم موسى تكليما ، وتعالى اللّه عمّا يقوله الجعد بن درهم علوا كبيرا ، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر » « 1 » . لكنّ قوله بالجبر لم يشتهر إلّا عن تلميذه الجهم بن صفوان الذي لم تختلف نهايته العادلة عن شيخه ، إذ انضم إلى الحارث بن سريج التميميّ حين خرج على والي خراسان نصر بن يسار فاتخذه الحارث كاتبا له ، فكان يخطب بدعوته وسيرته فيجذب الناس إليه ، ثمّ إنّه وقع في الأسر لمّا انهزم الحارث أمام سلم بن أحوز صاحب شرطة نصر بن سيار فقتله سنة ثمان وعشرين ومائة - بمرو - بعد أن نشر مقالاته الخبيثة وزرع شرا عظيما « 2 » . ولم ينته المطاف حتى جاء أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ( ت 324 ه ) - ومن تبعه - وزعم أنّه سينصر السنّة ، ويثبت القدر ، ويرد على أهل البدع فقال : ب « الكسب » وهو يروم مسلكا وسطا بين « القدرية » و « الجبرية » ولم يرد معنى الكسب عند أهل السنّة ولا معناه عند « القدرية » ، فكان كما يصفه العلامة - ابن قيم الجوزية - « لفظ لا معنى له ولا حاصل تحته » « 3 » . وأضحى ما قاله أبو الحسن الأشعري في هذا الباب محلّ سخرية الناس حتى قيل : ثلاثة أشياء لا حقيقة لها ، طفرة النظام ، وأحوال أبي هاشم ، وكسب الأشعري « 4 » . الأمر الذي اضطربت معه أقوال اتباعه واختلفت حتى ذهب كل منهم إلى رأي وفرّ إلى قول ؛ لما رأوا ما في هذا القول من التناقض « 5 » .
--> ( 1 ) « الرد على الجهمية » للدارميّ ( ص 17 ) . ( 2 ) انظر « ميزان الاعتدال » ( 1 / 426 ) ، و « السير » ( 6 / 26 ) ، و « لسان الميزان » ( 2 / 142 ) . ( 3 ) « شفاء العليل » ( ص 313 ) وانظر في مرادهم بالكسب ما سيأتي في المطلب الرابع من مبحث مراتب القدر . ( 4 ) « مجموع الفتاوى » لابن تيمية ( 8 / 128 ) . ( 5 ) « مجموع الفتاوى » ( 8 / 128 ) .